خطبة الجمعة للعلامة الخطيب

مسودة تلقائية

ادى سماحة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة جماعة في مقر المجلس والقى خطبة الجمعة التي قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله كما يستحقه وكما ينبغي له أن يحمد والصلاة والسلام على رسول الهدى وخير الورى  أشرف الخلائق أجمعين وسيد الأنبياء والمرسلين وعلى الهداة الميامين من آله الطاهرين ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا (من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً). نسألك اللهم الهداية لطريق الحق وأن تنير بصائرنا بنور وجهك الكريم. 

في هذه الظروف التي يمر بها لبنان والشعب اللبناني تصبح الحاجة فيها إلى التكاتف والتعاون على البر والتقوى والإهتمام بحاجات الناس وتوفير ما أمكن من حاجياتهم ومتطلباتهم تصبح الحاجة إلى ذلك أكثر من ضرورة وواجب من أي وقت آخر. ونحن يصدق علينا اليوم قوله تعالى “هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً”. فالإبتلاء هو اختبار لإيمان المؤمن ولصبره وتحمله وثباته حينما يتعرض هذا الإيمان للإمتحان ويصبح مكلفاً لصاحبه وسبباً للشدة والأذى كما قال تعالى “ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المفلحون” فالإيمان يتعرض للإمتحان في هذه الموارد التي عددها سبحانه في هذه الآية المباركة مورد الخوف والجوع وخسارة الأموال وخسارة الأنفس وخسارة الثمرات التي فُسرت بالأبناء. 

وإن هذه المسيرة محفوفة بهذه الإبتلاءات وأن الإيمان لا يعفي المؤمن من دفع هذه الأثمان ويجعل حياته حياة رغد وأمن وسعادة وإطمئنان. بل هي طبيعة الحياة التي لم تخلق للراحة فلا يظنن المؤمن أن الإيمان يخرجه عن هذه القاعدة فيستسلم للراحة ويصدم عند الحقيقة وأنما ينتظره في هذه المسيرة أن يتعرض لواحدة أو أكثر من هذه الإبتلاءات، لذلك فهذه الآية تهيء المؤمنين نفسياً وتعدهم ليكونوا على إستعداد للمواجهة والتضحية وألا يقعوا في اليأس. إنَّ الفرق بين المؤمن وغيره ان تضحياته وصبره وجهاده وما يخسره في هذا الطريق وهذه المسيرة هو في سبيل الله تعالى وليس نابعاً من أنانيته ومصالحه الشخصية وبدافع ذاتي وليس في سبيل كسب دنيوي ولذلك بشر الله تعالى هؤلاء، الذين أشار اليهم ووصفهم بالصابرين، بشرهم بأن عليهم صلوات من ربهم ورحمة وانهم هم المفلحون.فالمؤمنون كغيرهم سيتعرضون للأذى المادي والمعنوي من الخوف الى الحصار والجوع الى التضحية بالنفس والأعزاء ولكنهم في النتيجة هم في كنف الله وعينه وتحت رحمته، الموعودون ببشرى الفلاح وإن ما خسروه وقدموه من أثمان في هذه المسيرة الإيمانية ليس خسارة وإنما استثمار مضمون الربح في الدنيا وفي الأخرة وهذه الضمانة هي ضمانة إلهية ليس فيها لبس ولن تخيب أبداً “ولينصرنَّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز” 

أما الآخرون الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا فربما حصلوا على بعض المكاسب الدنيوية ولكنها في الحقيقة ليست الا مكاسب مؤقتة ووهمية لا تلبث أن تتكشف عن خسارة حقيقية كما يقول الحق “كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه ” 

فالإبتلاء يعم المؤمن والكافر ولعل التأكيد المكرر الذي صَدَّر الله تعالى به هذه الأية “ولنبلونكم” ليرفع هذا الوهم الذي ربما عرض لبعض المؤمنين من ان إيمانهم سيكون عاصماً لهم من هذه الإبتلاءات ليعدَّهم لمواجهة ما ينتظرهم في المستقبل القادم حتى لا يركنوا الى هذا الإعتقاد الخاطئ فيسقطوا في هذا الإمتحان عند أول مواجهة بخلاف أولئك الذين اتخذوا إلههم هواهم وضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا فهؤلاء تسيرهم أهواؤهم فهم يسيرون على غير هدى وهذا التعبير القرآني (إتخذ إلهه هواه ) تعبير عن الإضطراب في الرؤية الذي يعيشه من يتبعه وعن عدم الإستقرار النفسي الذي هو شرط أساسي للنجاح ولبلوغ الهدف وهو (الفلاح) بالتعبير القرآني. 

وقد قضت ارادة الله سبحانه وتعالى أن يكون التكامل الإنساني وبلوغ المراتب العليا بسعي الإنسان نفسه فإن تحصيل الخبرة في الحياة وتصليب الإرادة هي من الضروريات التي يجب ان يتمتع بها الإنسان ليحصل على هذا الوسام الذي منحه الله تعالى إياه وهو أن يكون خليفة له. 

من هنا أيها الأخوة فإن ما نمر به من ابتلاءات كبيرة وامتحانات عظمى يتوقف الخروج منها والإنتصار فيها على مدى استعدادنا وتهيؤنا وصبرنا وتقوانا في التعاضد والتكافل. (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)  فلم تضعفهم المصائب ولم تفتَّ في عضدهم ولم يستسلموا لها وإنما صبروا وتحملوا تبعات ايمانهم من الشدة والقلة والجوع والأذى وكانت كلما اشتدت الظروف على المؤمنين كلما صلُبَت لحمتهم والتأم شملهم وعظم شعورهم بمسؤولية بعضهم اتجاه البعض الآخر مما يخفف من وقع الإبتلاءات والمصائب عليهم ويجعلهم اكثر قوة في مواجهتها وكأن الفرج أقرب إليهم. 

إن بلدنا اليوم يعاني من انهيار اقتصادي ومالي وهو بحاجة الى اجراءات عاجلة لمواجهة الإنهيار الشامل بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية الذي إن حصل لا قدر الله سيؤدي الى الفوضى الشاملة ومع كل هذه الأخطار لا نرى تحركاً جاداً من القوى السياسية في اتخاذ خطوات ملموسة يحول دون وقوع هذه المحاذير وبدلاً من ان تقوم هذه القوى بتقديم حلول لهذه المشاكل التي هي من صنعها تتسلى باتهام بعضها البعض، وتلقي بالمسؤولية عن ظهرها وتكتفي بتعداد هذه الأولويات ولا تنتهي باخبارنا عن ان متبقيات المصرف المركزي لا تكاد تكفي لشهرين وان الكارثة الكبرى قادمة.  

اننا نفهم أن يقوم العدو باغراقنا بالأزمات والمشاكل ويحاصرنا بمنع الدواء والغذاء عنا بقصد إخضاعنا واستسلامنا كي تُحَقق مصالحه إبتداء من التسليم بهزيمتنا والتخلي عن حقوقنا في مياهنا و ثرواتنا البحرية إلى محاصرة المقاومة وتأليب الشعب اللبناني عليها إلى فرض التطبيع الخياني وإلحاقنا بالمطبعين. إننا نفهم كل ذلك لأنه يصدر من عدو لنا ولكننا لا نفهم  أن يقوم البعض في الداخل بعدم التعاون والمساهمة في إيجاد الحلول للأزمات الداخلية وبدلاً عن ذلك بزيادة الضغوط والمساهمة في إضعاف المناعة الداخلية.  

إن تصور البعض أن بإمكانه إسقاط البلاد وإعادة تشكيلها كما يحلوا له والتخلص من القوى التي تشكل إلى جانب الجيش اللبناني دعامة قوية للإستقلال والسيادة الوطنية واهم إلى حد السذاجة. يستطيع هذا البعض أن يكون مزعجاً ولكنه لا يستطيع أن يحول دون تحقيق النصر على الشر الإسرائيلي وسيكون هذا البعض أول ضحاياه وعليه أن يتعلم من دروس الماضي وألا يكرر التجربة أو يراهن على قوة العدو كما راهن سابقاً مرات ومرات وكانت النتيجة سقوطاً مدوياً لهذا الرهان. فاللبنانييون بغالبيتهم لن يقعوا في هذا الفخ ولن ينجروا إلى حروب داخلية يراهن عليها أصحاب مشاريع الفدرلة والتقسيم، وعلى هؤلاء أن يستيقظوا من أحلامهم المريضة التي يحلمون بها في لياليهم السوداء. 

إن على القوى السياسية أن تتعاون على تأليف حكومة في أقرب فرصة وألا تخضع للضغوط الخارجية وتتفرغ لإيجاد حلول للأزمات وإيقاف النزيف المالي وترشيد الإنفاق لمصلحة الفئات الإجتماعية الفقيرة حتى تتمكنوا من الحفاظ على سلامة بلادكم وتقصير مدة المعاناة عن شعبكم وتتمكنوا من وضع حجر الأساس لبناء وطن يليق بهذا الشعب العزيز. 

ونحن نحذر من رفع الدعم عن الدواء والغذاء والنفط، وفي الوقت عينه نحذر من المس بأموال المودعين، ونرفض بشدة حل الازمة المعيشية والانهيار الاقتصادي على حساب المواطنين، وندعو الى استرداد المال العام المنهوب من سارقيه، و نشدد على ضرورة وضع اليات تنفيذية سريعة للتدقيق الجنائي ترتكز على الشفافية دون اي تدخل سياسي، فمقتضى الانصاف ان يتحمل كل فاسد ومرتش وسارق مسؤولية ما اقترفه في ايصال ما وصلنا اليه من ترد معيشي وانهيار اقتصادي ونقدي.  

كما أنه يتوجب على القوى السياسية كافة أن تقف إلى جانب الوفد اللبناني المفاوض لإسترجاع حقوق لبنان البحرية من براثن العدو وعدم إفساح المجال أمام الضغوط التي يتعرض لها لبنان كي يتراجع عن التمسك بإسترجاع كامل حقوقه فإننا في لحظة تاريخية فاصلة التقصير في القيام بهذا الواجب الوطني خيانة لله وللشعب والوطن، ونحن بدورنا نشد على يد هذا الوفد ونقف خلفه ونشيد بتمسكه بحق لبنان المدعوم بالقانون وبإحاطة الشعب اللبناني وجيشه ومقاومته. إن هذا الموقف وبهذا الإصرار وبهذه القوة سيحقق للبنان إنتصاراً تاريخياً يسجله إلى جانب الإنتصارات الوطنية التي حققتها المقاومة والجيش والشعب اللبناني خلال هذه الفترة الزمنية الهامة والقصيرة نسبياً وبذلك نحافظ على كرامة شهدائنا الذين بذلوا دماءهم العزيزة في هذا الطريق المقدس. 

كما ندعو شعبنا العزيز إلى خوض معركة الكورونا التي لا تقل أهمية عن المواجهات في الساحات الأخرى، والأحرى بنا أن ننتصر في هذه المعركة فهي ذات بعدين صحية عامة وإقتصادية في زمن بات الإقتصاد اللبناني فيه مهشماً والوضع الصحي مهدداً بأفدح الأخطار. كما أن أملنا كبير بقوانا العسكرية والأمنية بإنتصارها للبنان في معركة الأمن والسلم الأهلي وألا تضعف أمام الحصار الإقتصادي والتفشي الوبائي عن القيام بهذه المهام الكبرى على مساحة الوطن