محاضرة للنقيب جورج جريج في قلعة راشيا بدعوة من رئيسة اقليم البقاع الغربي – راشيا الكتائبي

لمناسبة عيد الاستقلال وبدعوة من رئيسة اقليم البقاع الغربي – راشيا غيتا عجيل، اقيمت محاضرة في قلعة راشيا التاريخة تحت عنوان، استقلال لبنان ال، 78 القاها نائب رئيس حزب الكتائب ، نقيب المحامين السابق الاستاذ جورج جريج ،حضرها حشد من المحامين من منطقة البقاع الغربي وراشيا وعدد من الاساتذة والمفكرين اضافة الى رؤساء بلديات المنطقة والمخاتير ومجموعات من الثوار

البداية مع النشيد الوطني اللبناني وكلمة ترحيب من صاحبة الدعوة، رئيسة الاقليم ثم تحدث النقيب جريج فقال:”

نحنُ في الذكرى الثامنةِ والسبعينْ، في حُضْنِ الاستقلالْ، وفي حُصْنِ الاميرين بشير وفخر الدين. نحنُ في عمقِ البقاعْ الغَنِيّْ عن التعريفْ في عيشِهِ الواحدْ، في صلابَةِ عودِ أهلِهِ وطيبَةِ ناسِهِ وحُسْنِ ضيافَتِهِمْ. فشكراً لدعوتي وشكراً لحضورِكم للنقاشِ في استقلالِ لبنانْ في قلعةِ راشيا، قلعةَ الاستقلالِ والايقونَةَ الشاهدةْ على انبلاجِ فجرِهِ من رحمِ النضالْ والدمْ والسجنْ.

فلنبدَأ بالجغرافيا، نحنُ في نقطةٍ تُشرِفُ على مدَيَيْن، فلسطين وسوريا. الفلسطينيون دخلوا مدنيينْ لاجئينْ بالضيافةْ، واستقروا متعسكرينْ مسلحينْ في مخيماتٍ تمتَعَتْ وتتمتعُ بنوعٍ من الحكمِ الذاتي، وعاثوا وعاشوا حالمينَ بالوطنِ البديلْ. وكان العَرقوبُ وكان “فتح لاند” حيثُ تمركَزَ العملَ الفدائي الفلسطيني حتى عام 1978، تاريخ اجتياحِ العدوْ الإسرائيلي الأولْ للجنوب. وكان اتفاقُ القاهرة أولُ الثقوبِ في وعاءِ الوطن، وأولُ الندوبِ في جسمِ الاستقلالْ.

ودخلَ الجيشْ السوري، وانقسمَ اللبنانيون ازاءَهُ بين تعبيرين، “الاحتلالْ السوري” و”الوجودْ السوري”، وفي الحالتينِ انكماشُ الاستقلالْ الذي كادَ يسقُطُ سهواً بسببِ الانبطاحْ اللبناني الرسمي والقيادي أمام مقرينْ: البوريفاجْ ثم عنجرْ.

اليوم، أقولُها بكلِ موضوعيةْ وبكلِ مسؤوليةْ، استقلالُ لبنانْ مهدَدْ، بلْ هو لبنانْ مهدَدْ كيانِياً ووجودِياً.

وفي الأساسْ، سأتناولُ في مُداخَلَتي في القسمِ الاولْ منها ضمور الاستقلال بفعل الداخل، وفي القسمِ الثاني ضمور الاستقلال بفعل الخارج.

القسم الاول : ضمور الاستقلال بفعل ذاتي داخلي.

منذ ١٩٤٣ الى ٢٠٢١، ثمانية وسبعون عاماً من المراوحة وطنياً في أحسنِ الاحوال، والتراجعْ في أغلبِ الأحوال مع تقدمِ دولِ الجوار.

فلنبدأْ بالميثاقِ الوطني وهو الدستور غير المكتوب للبنان والذي لم تَقْدِرْ السياسة او لم ترغبْ في إعلاءِ شأنهِ من خلالِ تحويلِ لبنان من مركزِ تجمعٍ للطوائف الى نموذجٍ للتعددية في المنطقة، يكون نقيضاً لعنصرية واحادية الدولة الاسرائيلية، فتجربةُ الكتائب والنجادة المتحدتينِ بقيادةِ بيار الجميّل في اضرابٍ شاملْ وتظاهراتٍ عمتْ البسطة والجميزة في معركةِ الاستقلال، بقيت تجربةً نادرةْ واستثنائيةْ اقتضاها الظرفُ الوطني. وتكررت التجربةْ من خلالِ ثورة الارز ، وبقيت تجربةْ معزولةْ على اهميتِها.

في اي حال، يبقى الداخلُ اللبناني مسؤولاً عن ضمورِ الاستقلال قبل تحميلِ ايِ جهةٍ خارجيةْ هذه المسؤولية، خاصةً في ضوءِ الوقائعِ التالية التي أوردُها على سبيلِ المثالِ لا الحصر:

١- الامتدادُ الخارجي الديني او المذهبي او العقائدي او الثقافي لغالبيةِ المجموعاتِ اللبنانية.

٢- القصورُ عن توظيفِ هذه الامتدادات في إغناءِ العلاقاتِ الاقليمية والدولية، واستبدالِها باستضعافِ الذاتِ اللبنانية والانخراطِ في استراتيجياتٍ معقودة في الخارج ولصالحِ الخارج. فالامتدادُ الخارجي بالشكلِ الحاصِل فيه يستجرُّ أوامرَ الخارج الى الساحةِ اللبنانية، في عمليةِ إسقاطٍ وقحةْ، فيصبحُ الخارجْ آمراً والداخلُ مأموراً، ويصبحُ القرارُ السياسي والعسكري وما يستتبعُهما بيدِ هذا الخارج.

٣-  القصورُ عن تطويرِ الطائفية من تعصبٍ وتخلفٍ وتطرفْ، وتحويلِها الى نظامِ علمنة أو على الاقل الى مفهومِ الدولةِ المدنية الراعية.

وبدلَ ان يكونَ اتفاقُ الطائف منطلَقاً لقيامِ الدولةِ المدنية، شكلَ مفترقاً لتعزيزِ الطائفية وترسيخِ المحاصصة، وتفريقِ رئيس الجمهورية، المسحوبةْ صلاحياتُهُ، عن رئيس الحكومة المعززةُ صلاحياتُهُ، ما أوجدَ تنازعاً أعاقَ انتظامَ السلطةِ التنفيذية، وأسسّ لحالاتِ استحالةْ في الانتخاباتِ الرئاسية، وفي التكليفِ والتأليف، غزّاها الفريقُ المؤثِّرْ الذي شكلً بسلاحِهِ مرجعيةً بدأتِ القوى السياسية تحتكمُ اليها لتصلَ الى مبتغاها، وانتهى الامر بتحكمِهِ في القرارِ السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والقضائي.

والمشكلة في لبنان ان المجتمعَ الطائفي والمذهبي اقوى من المجتمع المدني، ولو بدأ الوضعُ يتغيّر بخجل مع ثورة ١٧ تشرين، والمجتمعُ العشائري اقوى من المجتمعِ الحزبي، والمجتمعُ الجِهوي اقوى من المجتمعِ الوطني.

مشكلةُ المارونية السياسية انها حكمت لبنانَ الكبير كوقفٍ صغير، وحكمت لبنانَ التعددي كأخوية مريمية. فالمسيحيون لا يلتقون الا في قداسِ الاحد وفي الاعيادِ الدينية.

ومشكلةْ السنيّة السياسية انها تعاملتْ مع لبنان كوطنٍ غير نهائي. ومشكلةُ الشيعية السياسية اليوم هي الثأرُ من الموارنة والسنّة مع مفعولٍ رجعي.

ومشكلة الدرزية السياسية أنها جاءت في المرتبة الرابعة ولو أنها من الطوائفِ الست الاساسية، فجعلت لنفسها امارةً في الجبل بانتظار انشاء مجلس الشيوخ المعقودةْ رئاستُهُ لطائفة الموحدين الكيريمة. فيبقى لبنان بعيداً عن منطق المؤسسات وينتقل من ترويكا الى رباعي تحاصصي.

والاربعة الموارنة – السنة – الشيعة – الدروز فكروا بمنطق طائفي استئثاري تملكي ولم يفكروا بمنطق مواطنة احتضاني تشاركي.

٤-  القصور في تطوير التعايش المسيحي- الاسلامي نحو خلق دولة قادرة ووطن نهائي لأبنائه.

٥- القصور في ترسيخ الوحدة الداخلية في مواجهةِ اسرائيل المانعةْ جنوباً على الفلسطينيين حقَ العودة المكرَّس بالقرار الدولي رقم١٩٤، وفي مواجهة الاطماع السورية شرقاً وشمالاً.

٦-  الانقسام الداخلي إزاء القضية اللبنانية، واندفاعْ الجماعاتْ لدعمِ الانظمة الخارجية سواءٌ خلالَ وجودِها في لبنان او عبرَ الحدود، كل ذلك خارج اطار ايِ قرارٍ وطني جامع. والامثلة على ذلك كثيرة، وتمتد من حرب سوريا الى حرب اليمن. والمفارقة هنا أن التسوية كانت تقضي باعتماد استراتيجية دفاعية، فصار أقصى المرتجى اقناعُ حزب الله بالعودة الى لبنان من حروبِهِ في سوريا واليمن.

ثانياً : ضمور الاستقلال بفعل الخارج .

قامت دولة لبنان الكبير عام 1920، عندما لم يكن احدٌ يتوقع نشوءَ هذه الدولة بوجود معاهدة سايكس-بيكو، ووعد بَلْفُور، ورسائل ماكماهون، ومشروع الوحدة العربية بقيادة الشريف حسين. وبعد قرن، قد نتجه الى خسارة هذا المكسب التاريخي بفعلِ السياسات الخاطئة المرتكَبة والتي أساسُها العجزُ عن بناءِ دولةِ القانون والمؤسسات. ولهذا السبب، شكّلَ لبنان على مدى تاريخه خاصرةً رخوة استفادَ منها الاقربون ولم يوفْرها الابعدون. لكن يبقى تأثيرُ الخارج في لبنان وعلى لبنان مختلفاً نوعياً.

فالتأثير الاميركي والفرنسي يأخذُ في الإجمال طابَعاً “ديبلوماسيا”، أما التأثيرُ السوري سابقاً، والإيراني حالياً، فيأخذ طابعاً آمراً وزاجراً وأحياناً كثيرة معطِلاً في الحياةِ السياسية اللبنانية.

ليس دفاعاً عن الغرب أو العرب، ولا انتقاصاً من قيمة الشرق، لكن لم نسمعْ يوماً رئيساً أميركياً أو فرنسياً أو ملكاً سعودياً أو أميراً كويتياً أو ملكاً أردنياً يقول ما قاله الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد أو ما يقوله النظامُ الايراني اليوم.

الأسد قال: نحن شعبٌ واحد في دولتين، لكنه تصرف على أساسِ أننا شعبٌ واحد في دولةٍ واحدة. كلا لبنان ليس محافظةً سورية.

والمسؤولون الايرانيون قالوها بالفم الملآن: ان ايران تسيطرُ على اربعِ عواصمَ عربية، بغداد، وصنعاء، ودمشق وبيروت، وان لهم جيوشًا في خدمتِهم في البلدان الأربعة. كلا، بيروت لن تكون الا في محيطها الدولي وفي عمقها العربي، فلبنان عضوٌ مؤسس في هيئة الامم ومساهمٌ في وضعِ شرعة حقوق الانسان وعضوٌ مؤسس وفاعل في جامعة الدولِ العربية. ولبنان لا يحميه الا الجيشُ اللبناني والقوى الامنية الشرعية.

وتأسيساً عليه، فلنفحصْ مواقف الدول من لبنان في ذكرى الاستقلال بالأمس، من خلال برقياتِ التهنئة الدولية التي وصلت الى رئيسِ الجمهورية. فكلُ رؤساءِ الدول هنأوا لبنان وتمنوا له استعادةَ السيادة والبحبوحة على أرضِهِ، والتخلصَ من أزماتِه السياسية والاقتصادية، الا برقيةُ الرئيس الايراني الذي جاء فيها ما يلي، وأقرأُها حرفياً: 

“نحن على ثقة تامة بأن لبنان سيبقى كما عَهدِناه دوماً، بلداً آمناً ومستقراً وآخذاً في النمو والتطور، بفضل عنايتِكم وجهودِ المسؤولين وهمةِ الشعب اللبناني. وأؤكدُ لكم أن الجمهوريةَ الإسلامية الإيرانية، وكما كانت دوماً، لن تألوَ جَهدا من أجلِ ترسيخِ العلاقاتِ الثنائية في إطار المصالحِ المتبادلَةْ للبلدينِ الصديقين”.

مفردات هذه البرقيةْ، مضافة الى اعلانِ ايران تواجدَها في أربعِ عواصمَ عربية، تعني بما لا يقبلُ الاجتهادْ أن العلاقاتِ اللبنانيةَ الايرانية هي علاقاتٌ حصريةْ، استئثاريةْ. نحن نقولُ هنا نعم ولا. نعم لعلاقاتٍ نديّة، ولا لعلاقاتٍ مبنية على املاءاتٍ سياسية وعسكرية، فلبنان دولة وليس ماركة مسجلة تفتشُ عن وكلاءَ لها في المنطقة.

ولبنان الحالي أصبح خارجَ الشرعية العربية والمواثيقِ الدولية، وهو يشهدُ انهياراً مالياً واقتصادياً غيرَ مسبوق، واستقالةً من دورهِ الثقافي كجامعةِ الشرق، ورسالتِهِ الصحية كمستشفى الشرق، وناسُهُ يرمونَ بأنفسِهم في قواربِ الموت بحثاً عن وطنٍ بديل. لكن، في لبنان اليوم قوى تغيير مصممة على استعادةِ لبنان الذي أخرجوه من مفهومِ الاستقلال وجردوه من معاييرِ الدولة/الوطن، وأجبروه على قطعِ علاقاتِه مع امتدادِه العربي ومصالحِ أبنائه في دولِ الخليج، وعلى نسفِ جسورهِ مع الاستقرار والنمو والازدهار.

وفي لبنانَ اليوم اتحادٌ بين المقيمينَ وغيرِ المقيمين، وكما سطع في الثمانينات رقم 10452 كلم2، سطعَ بالامس نجمُ 244.442 لبنانياً تسجلوا على القوائم الانتخابية، هذا اذا حصلت انتخابات وانبثاقُ سلطة في ضوء كمٍّ من المعوقات ليس أقلَها الطعنُ الدستوري، وهذا حقْ، وتعطيلُ جلساتِ الحكومة، وربطُ تفعيلِها بعزلِ المحقق العدلي، وربطُ نزاعٍ بين التحقيق في انفجار المرفأ واستقالةِ وزير الاعلام جورج قرداحي، وفي هذا فجورٌ والتباسٌ وريْبَةْ. 

أيها الكرام،

في ذكرى الاستقلال الاليمة، الرهان يبقى قائماً على ثلاثية الشعب والجيش والقضاء. وعلى هذا الشعب أن يواصلَ الحلمَ بالتغيير، لأن اليأسَ في الوطن ممنوع، واليأسَ من الوطنِ ممنوع.

يبقى الرهانُ على قوى التغيير، على ثورة 17 تشرين 2019 التي لم تَهْجُرْ قيمَها بدولة الحق، ولو هاجر بعضُ أهلِها تحتَ ضغطِ الضائقةِ الاقتصادية. يبقى الرهانُ في التغيير في آذار او ايار المقبلين عبر صناديقِ الاقتراع، لإعادةِ انبثاقِ السلطةْ من خلالِ تكوين وحدةٍ عابرةْ للمناطقِ والطوائفِ والاحزاب.

وعلينا العملُ وكأن الانتخاباتِ حاصلةٌ حكماً، رغمَ كل الدلائلِ السلبية كالخوفِ من نَفَسِ المعارضة المقيمة، ومن حماسةِ غيرِ المقيمين، والقلقِ من التجربةِ العراقية، والحرصِ على ولادةِ رئيس جمهورية مضمون الهويةْ على يدِ هذا المجلس أو شبيهِهْ، ومجهولِ القيدْ على يدِ مجلسٍ جديد منبثقْ عن انتخاباتٍ حرةْ وشفافة.

أيها الكرام،

لم يعد لدينا ترفُ الوقت، المطلوب العمل على اصلاحِ الدولة، والاتفاقْ على صيرورِتها، ولماذا نخافُ طرحَ السؤال الحاسم قبل البحثِ في أيِ نظامٍ تأسيسي: هل تريدونَ لبنان دولةً طائفية، أم دولةً مدنية؟ في الحالة الاولى، نكون امام نظام فدرالي او كونفدرالي مع الحفاظ على وحدة الارض والحدود والشعب، وفي الحالة الثانية، أمام دولةٍ علمانية تفترض الولاء المطلق لدولةٍ مركزية قوية، ولامركزية ادارية موسعة، وانماءٍ متوازن.

فليكن استفتاءٌ لمرة اولى في لبنان لمعرفةِ ماذا يريدُ اللبنانيون.

تخلل المحاضرة فيلم مصور عن الاستقلال وتلاها نقاش بين المحاضر والحضور.